الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
266
نفحات الولاية
أشْرنا سابقاً إلى أن قوله عليه السلام : « لا أبا لكم » إما يفيد عدم تربيتهم التربية الأسرية الإسلامية الصحيحة بحيث يبدون كل هذا الضعف والعجز ، أو أنّه دعاء عليهم بان يميت اللَّه آبائهم ، وهو الآخر كناية عن الذلة والهوان الذي يستشعره الإنسان لفقد والده . ثم قال عليه السلام : « أما دين يجمعكم ولا حمية تحمشكم » « 1 » ؟ فالواقع من شأن أي من هذين الأمرين دواء دائهم ، فالدين حلقة اتصال يمكنها إستقطاب الفئات والطوائف المختلفة حول هدف مركزي واحد ، فإذا غاب الدين الذي يجمعهم ، فانّ الغيرة الاجتماعية وحبّ الأهل والوطن إنّما تسوقهم للاتحاد أمام العدو ومواجهته ، غير أنّ المؤسف له هو أنّ أهل العراق آنذاك قد فقدوا هذين الدافعين ، فلم يكن دينهم محكماً راسخاً ، كما لم تكن لهم حمية تجعلهم يغضبون ويواجهون العدو . ولا شك أن مثل هؤلاء القوم يعتبرون عقبة كؤوداً في طريق الحاكم . ومن هنا خاطبهم الإمام عليه السلام مصوراً حجم ضعفهم والذل الذي سيطر عليهم « أريد أن أداوي بكم وأنتم دائي كناقش الشوكة بالشوكة » . « 2 » ومن هنا قال عليه السلام : « أقوم فيكم مستصرخاً « 3 » وأناديكم متغوثّاً ، « 4 » فلا تسمعون لي قولًا ، ولا تطيعون لي أمراً ، حتى تكشف الأمور عن عواقب المساءة » « 5 » فهل هناك أعظم من هذه المأساة ، في أن يبتلى مثل هذا الإمام عليه السلام الشجاع العالم العادل المجرب بمثل هؤلاء القوم الذين لايكترثون لصراخه ولا يطيعون أوامره . ويفيد التأريخ أنّ هذا الأمر لم يقتصر على أمير المؤمنين عليه السلام وقد مارست الامّة نفس هذا الموقف مع الإمام الحسن والحسين عليهما السلام فقد وقعت حادثة كربلاء ليقتل الإمام وصحبه بتلك الشاعة ، آنذاك ندم أهل الكوفة وهبوا للمطالبة بدم الحسين عليه السلام ولكن بعد أن وقع ما لم يكن ينبغي أن يقع ، فقد تخلوا آنذاك عن دعم
--> ( 1 ) « تحمش » من مادة « حمش » ، قال صاحب المقاييس لها معنيين الغضب والنحافة ، وقد وردت هنا بمعنىالغضب ؛ أي أليس لكم حمية تغضبكم على عدوكم . ( 2 ) نهجالبلاغة ، الخطبة 121 . ( 3 ) « مستصرخ » من مادة « صرخ » ، الصراخ حين الخوف أو المصاب وطلب النصرة . ( 4 ) « متغوث » من مادة « غوث » بمعنى النصرة حين الشدة ، وعليه يطلق المتغوث على من يطلب نصرة الآخرين عند الشدائد . ( 5 ) « المساءة » مصدر مادة « سوء » ، بمعنى فقد ان النعم المادية أو المعنوية الدنيوية أو الأخروية ، البدنية أو غيرالبدنية .